في المرة الماضية، ذهبت إلى ورشة يُفترض أنها "ممتازة ومعروفة"، لكن بعد فترة من الإصلاح اكتشفت مشكلات وأخطاء لم تكن في الحسبان.

تركت تلك التجربة ندبة في داخلي، ورسالة صامتة تقول:

"حتى الخيارات الممتازة قد تخدعك."

وهنا يبدأ العقل بالعمل في وضعية الدفاع؛ فيُترجم الخوف من تكرار التجربة إلى تردد مفرط، ويقنعك أنك إن لم تجد "الخيار المثالي المضمون 100%"، فمن الأفضل ألا تتخذ أي قرار.

فنقضي ساعات نقرأ التقييمات، ونقارن بين الآراء، وننتقل من توصية إلى أخرى، بينما يبقى القرار مؤجلًا.


دوامة التردد والقلق

وأنا أتصفح التقييمات، كان سؤال واحد يتكرر في ذهني:

"ماذا لو وثقت بهم ولم يكن عملهم على أكمل وجه؟"

والسؤال نفسه لا يبحث عن إجابة، بل يبحث عن يقين، واليقين الكامل لا يأتي.

والعجيب أن العقل القلق لا يفرّق كثيرًا بين قرار مصيري وقرار عابر؛ فكلاهما يبدو كأنه امتحان لا يحتمل الخطأ.

ويتسلل هذا الشعور إلينا ونحن نعيد كتابة رسالة عمل بسيطة عشرات المرات قبل الضغط على زر الإرسال، أو حين نقضي أيامًا في التحضير لاجتماع، خوفًا من سؤال مفاجئ أو فكرة لم نحسب حسابها.

وفي كل مرة، تتسارع ضربات القلب، ويثقل الصدر، وينشغل الذهن بما قد يحدث أكثر مما يحدث فعلًا.

إنها دوامة التردد والقلق؛ الرقصة المجهدة التي نخوضها جميعًا عندما تحاول عقولنا حمايتنا من المجهول، فتسجننا في الخوف من الخطأ.


لماذا يرتبط التردد بالقلق؟

في كثير من الأحيان، لا يكون التردد مجرد ضعف في الشخصية كما يظن البعض، بل هو آلية دفاعية يتبناها العقل لحمايتنا بناءً على تجارب سابقة.

  • القلق: يضخم النتائج السلبية، ويفترض أسوأ الاحتمالات، فتظهر أفكار مثل: "كل الورش ستخدعك"، أو "سأبدو غير جاهز في الاجتماع."
  • التردد: يأتي كحل مؤقت للحفاظ على منطقة الأمان، فيهمس لك: "إذا لم أقرر الآن، فلن أخطئ الآن، ولن أشعر بخيبة الأمل الآن."

لكن الحقيقة المؤلمة هي أن عدم اتخاذ القرار هو قرار بحد ذاته. فالتأجيل لا يلغي المشكلة، بل يجعلها ترافقنا فترة أطول، ويستهلك من طاقتنا الذهنية أكثر مما تستحق.


ما الذي كنت أبحث عنه حقًا؟

ومع الوقت أدركت أنني لم أكن أبحث عن ورشة كاملة، أو رسالة لا تحتمل الخطأ، أو إلقاء بلا هفوات، بل كنت أبحث عن ضمان ألا تتكرر تلك الخيبة مرة أخرى.

والمشكلة أن الحياة لا تقدم هذا النوع من الضمانات.

ربما لا نستطيع أن نضمن أن يكون القرار صحيحًا، لكننا نستطيع أن نضمن ألا نبقى أسرى للتردد.

كل ما نستطيع فعله هو أن نجمع ما يكفي من المعطيات، ونتخذ الخطوة، ثم نتعامل مع النتيجة إن جاءت على غير ما نريد. فالتجربة تمنحنا خبرة، والخطأ يمنحنا درسًا، أما التردد فلا يمنحنا سوى مزيد من الاستنزاف.

تذكر دائمًا:

الحياة لا تتطلب منك أن تكون مصيبًا في كل قرار، بل أن تثق بقدرتك على التعامل مع نتائجه. فالخطوة غير المثالية إلى الأمام أفضل من الوقوف في المكان نفسه انتظارًا لقرار مثالي قد لا يأتي أبدًا.