لم أفتحها بدافع الفضول، لكن العنوان وحده كان كافيًا ليوقظ في داخلي سؤالًا لم يطرق بابي من قبل: لماذا نكتب أصلًا لمن نعرف يقينًا أنه لن يقرأ؟

ربما لهذا السبب تحديدًا اخترت أن يكون هذا أول مقال في هذه المدونة. أردت أن تكون افتتاحيتها سؤالًا لا جوابًا، لأنني أؤمن بأن المدونة الشخصية ليست مكانًا لتقديم الحقائق بقدر ما هي مساحة نترك فيها شيئًا من أنفسنا. ولعل هذا السؤال يشبهني أكثر من أي تعريف أستطيع أن أكتبه عن نفسي.

هناك رسائل ندرك، منذ ولادتها الأولى، منذ ارتعاشة الفكرة في رؤوسنا، أنها لن تعبر المسافة إلى أحد. ومع ذلك نصرّ على كتابتها، كمن يهمس في فراغٍ واسع ويطمئن لأن الصدى يكفيه. لا ننتظر جوابًا، بل نحاول أن نخفف ثقل الكلمات قبل أن تتحول إلى حجارة تستقر في الصدور.

نكتب إلى الذين رحلوا وكأنهم ما زالوا بيننا، وإلى من باعدت بيننا وبينهم الأيام وكأن المسافات لم تطمس ملامحهم، ونكتب إلى أنفسنا القديمة التي تاهت منا في زحام الحياة. فالكتابة ليست دائمًا جسرًا بين قلبين، بل هي، في كثير من الأحيان، مرآة نرى فيها كل ما عجزنا عن البوح به.

في لحظةٍ ما من العمر، قد تفتح درجًا منسيًا أو مجلدًا قديمًا، فتجد رسالة لا تتذكر متى كتبتها. ستقرأها وكأنها كُتبت لشخصٍ آخر، ثم تدرك أن عدم إرسالها لم يكن فشلًا ولا تراجعًا، بل كان السبب في بقائها صادقة. فالكلمات، حين تنتظر متلقيًا، يبدأ التردد في التسلل إليها، أما حين تُكتب للنفس، فإنها تخرج كما هي، عاريةً بلا أقنعة.

لهذا، ليست كل رسالة خُلقت لتُرسل. بعض الرسائل تؤدي مهمتها بمجرد أن تُكتب، لأنها لا تغيّر حياة من كُتبت إليه، بل تعيد ترميم حياة من كتبها.

وربما لهذا السبب تحديدًا نكتب.

لأن الكاتب، في أكثر لحظاته صدقًا، لا يبحث عن قارئ، بل يبحث عن نفسه التي ترك شيئًا منها بين السطور.